الشيخ محمد رشيد رضا

530

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بطلانها يتوهم انها تضر وتنفع ، وتقرب من اللّه وتشفع ، فطالبهم بأمر عملي يستل هذا الوهم من أعماق قلوبهم ، ويمتلخ الشعور به من خبايا صدورهم ، وهو أن ينادوا هؤلاء الشركاء نداء استغاثة واستنجاد لابطال دعوة الداعي إلى الكفر بها ، واثباته العجز لها ، وبذل الجهد فيما ينسبون إليها من التأثير الباطن ، والتدبير الكامن ، الذي هو عندهم أمر غيبي ، يدخل في معنى الكيد الخفي . فإن كان لها شيء ما من السلطان الغيبي في أنفسها أو عند اللّه تعالى فهذا وقت ظهوره ، فإن لم يظهر لابطال عبادتها وتعظيمها ، ونصر عابديها ومعظمي شأنها ، فمتى يظهر وينتفعون به ؟ وهم منكرون للبعث ، وكل ما يرجونه أو يخافونه منها فهو خاص بما يكون في هذه الأرض ؟ * * * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ هذا تعليل لجزمه صلّى اللّه عليه وسلّم بما ذكر من عجز هذه المعبودات وتحقير أمرها وأمر عابديها على ما كان من ضعفه بمكة عند نزول هذه السورة . يقول إن ناصري ومتولي أمري هو اللّه الذي نزل عليّ هذا الكتاب الناطق بوحدانيته في ربوبيته ، وبما يجب من عبادته ودعائه في المهمات والملمات وحده ، وبأن عبادة غيره باطلة ، وان دعاء هذه الأوثان هزؤ باطل ، وسخف لا يرضاء لنفسه إلا جاهل سافل ، وهو يتولى نصر الصالحين من عباده ، وهم الذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة السالمة من الخرافات والأوهام ، والاعمال التي تصلح بها الافراد وشؤون الجماعات ، فينصرهم على الخرافيين الفاسدي العقائد والمفسدين في الاعمال ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ) * * * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أي وأما الذين تدعونهم لنصركم ولغير النصر من منافعكم ودفع الضر عنكم ، فهم عاجزون لا يستطيعون أن ينصروكم ، ولا أن ينصروا أنفسهم على من يحقر أمرهم ، أو يسلبهم شيئا مما وضع من الطيب أو الحلي عليهم ، وقد كسر إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم الأصنام فجعلهم جذاذا فما استطاعوا أن يدفعوه عن أنفسهم ، ولا أن